محمد جواد مغنية

366

في ظلال نهج البلاغة

لمبتدأ محذوف أي والناس كائنون بين قتيل ، ومطلول صفة لقتيل ، وخائف عطف على قتيل لا على مطلول . ومظلومين حال من واو أقدموا ، ومثله « ظالمين » . المعنى : أشرنا في المقطع السابق من هذه الخطبة أن الفتنة على أنواع ، وأكثرها ضررا أن يعهد الحاكم بالرئاسة إلى أولاده ويجعلها وراثة فيما بينهم يتنافسون عليها ، وقول الإمام هنا : ( ثم يأتي بعد ذلك طالع للفتنة الرجوف والقاصمة الزحوف ) هو عطف على قوله : « يتوارثها الظلمة بالعهود إلخ » . . أي ثم تظهر فتنة تقضي على سلطان العائلات المالكة ، وبعد ذلك تميل على الناس والشعوب بالقتل والسلب ، والتنكيل والتشريد ، كفتنة التتار الذين فعلوا بالمسلمين وديارهم الأفاعيل ، وقول الإمام : « الفتنة الرجوف ، والقاصمة الزحوف » ينطبق على فظائع التتار كل الانطباق . ( فتزيغ قلوب بعد استقامة ، ويضل رجال بعد سلامة ) أي ان المسلمين في هذه الفتنة لا يعملون بوحي من دينهم كتوحيد الكلمة والجهاد صفا واحدا في حرب عدو اللَّه وعدوهم ، ولا يحس أحدهم بآلام أخيه ، بل يتركه وشأنه حتى كأنه لا صلة بينهما من دين وانسانية ( وتختلف الأهواء عند هجومها ) . إذا حدث أمر هام اختلفت حوله أهواؤهم ، وعلت ضوضاؤهم ( وتلتبس الآراء عند نجومها ) أي عند ظهورها ، والمعنى ان آراءهم تكثر وتتعدد ، وفيختلط السليم منها بالسقيم ( من أشرف لها قصمته ) أي من تصادم مع تلك الفتنة ووقف منفردا في طريقها أهلكته ( ومن سعى فيها ) أي في اطفائها وتسكينها حطمته . ( يتكادمون فيها تكادم الحمر في العانة ) الفتنة تطحنهم جميعا ، ومع هذا يتطاحنون ويتصارعون فيما بينهم تماما كشأن عرب اليوم مع فتنة إسرائيل ( قد اضطرب معقود الحبل ) اختل النظام ، وسادت الفوضى ( وعمي وجه الأمر ) . خفي الصواب للأهواء المختلفة ، والآراء المتباينة ( تغيض فيها الحكمة ) إما لسكوت الحكيم يائسا أو خائفا ، وإما لعمى القلوب غنها وصمم الأسماع ( وتنطق فيها الظَّلمة ) لأنهم أصحاب الزمان والسلطان ( وتدق أهل البدو بمسحلها ) . تفعل الطغاة بأهل البادية ما يفعل المنشار في الخشب ( وترضهم بكلكلها ) تنيخ الفتنة